ملاذ الحداثة: روح متحف كونستموزيم دن هاغ
في قلب حي ستاتنكوارتر الأنيق بمدينة لاهاي، وعلى مسافة تلامس فيها نسمات بحر الشمال القادمة من شاطئ سخيفينينغن جدران المتحف، يقع ملاذٌ يبدو فيه الزمن وكأنه يتناغم مع إيقاع الفكر الحديث. إن متحف كونستموزيم دن هاغ هو أكثر بكثير من مجرد مستودع للقطع الأثرية؛ إنه حوار حي يربط بين الماضي والمستقبل. فمنذ تأسيسه في عام 1866، والذي عُرف في الأصل باسم "متحف الفن الحديث"، شهدت هذه المؤسسة تحولاً عميقاً، متخلصةً من أسماء مثل "متحف بلدية لاهاي" لتبرز كمنارة رائدة للتراث الفني الهولندي. وللمقتني المتمرس أو عاشق الجماليات الرفيعة، يقدم المتحف لقاءً حميمياً مع جوهر القرن العاشرين، مقدماً رحلة منسقة عبر الألوان، والأشكال، وتطور التعبير البشري.
إن دخول متحف كونستموزيم هو بمثابة خطوة داخل تحفة فنية من القصد المعماري؛ فالمبنى الذي صممه الأسطورة هيندريك بيتروس برلاغي واكتمل بناؤه في عام 1935، يعمل كبيان حي لمبادئ الحداثة. فبدلاً من استخدام الرخام والجرانيت الثقيل والمثير للرهبة كما في النصب التذكارية التقليدية، اختار برلاغي واجهة من الطوب المتواضع والبسيط—في إيماءة متعمدة للدعوة تهدف إلى جسر الفجوة بين الفن الرفيع والجمهور. وفي الداخل، تتنفس العمارة بالضوء؛ حيث تخلق القاعات الواسعة المغمورة بأشعة الشمس وخزائن العرض المبتكرة أجواءً من الوضوح والسكينة، حيث تقود إطارات النوافذ البرونزية الرقيقة والبلاط الملون العين عبر مساحة تشع بالهيبة والإنسانية في آن واحد. وللمصممين الداخليين الباحثين عن الإلهام، تظل براعة برلاغي في التناسب والإضاءة الطبيعية دراسة أبدية في الأناقة الوظيفية.
ولا شك أن جوهرة التاج في هذه المجموعة المرموقة هي الإرث الذي لا يضاهى للفنان بيت موندريان . إذ يحتضن المتحف أكبر مجموعة لأعماله على مستوى العالم، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة التحول الجذري للفنان من التمثيل الواقعي نحو التجريد الخالص. يمكن للزوار تتبع تحوله من رسام للمناظر الطبيعية إلى سيد الدقة الهندسية، وصولاً إلى تحفته المذهلة Victory Boogie Woogie . هذه التحفة النهائية الصاخبة، بشبكتها الإيقاعية النابضة بالألوان الأساسية والخطوط السوداء، تنبض بطاقة حركية تستمر في إعادة تعريف حدود التكوين الحديث. ومع ذلك، تكمن عبقرية المتحف في قدرته على موازنة عالم موندريان المنضبط مع العمق العاطفي لأساتذة آخرين؛ حيث قد يجد المرء نفسه غارقاً في الضوء الانطباعي الناعم لـ كلود مونيه فينسنت فان جوخ ، أو السرديات الملموسة والمتمردة لأيقونات معاصرة مثل باولا ريجو و غرايسون بيري .
وبعيداً عن اللوحات، يحتفي متحف كونستموزيم دن هاغ بالتقاطع الرائع بين الفنون الجميلة والبراعة الزخرفية. تدعو المجموعة إلى استكشاف حسي للثقافة الهولندية من خلال قطع الخزف الدلفتي (Delftware) الرائعة، حيث تتراقص الزخارف النباتية المعقدة على البورسلين، ومن خلال معرض الأزياء الراقي الذي يحفظ العبقرية التصميمية لكل من كريستوبال بالنسياغا و غابرييل شانيل . ومن الرنين المرهف للآلات الموسيقية الأوروبية في غرفة الموسيقى، إلى العمق السحيق لغرفة المطبوعات التي تضم خمسين ألف رسم، يقدم المتحف تجربة متعددة الأبعاد. إنه مكان لا تُدرس فيه التاريخ فحسب، بل يُشعر به—وجهة تَعِد بلمس روح كل زائر بجمالها الخالد وحيويتها الفكرية.


